بحجم بغداد أنتِ . فهل تظنين أن بغداد سقطت ؟ عثرة شامخة ، وحتى في انحنائها واقفة تنثر الصمود وتلامس أطراف السماء .. عروقها امتداد الفرات ودجلة.. تهامس الأموات قبل الأحياء .. من سواها عرائس المدائن ، وأرض الطهر ، وعذرية في حبيبات رمالها ، وسعف نخلها.
عجائزها.. رضّعها .. عصافيرها.. حمائمها .. مآذنها نفحة من الروح في كل كائن حي . إن كان في كبد السماء محلقاً ، أو في قاع البحر يعوم، أو على التراب يدب ويزحف.
عزائي بغداد تزاحم أنفاسي أفيق وأصحو كأنها أعضائي .. إذا ضاقت بي الدنيا وطوقتني كآبتي تمثلتها أمامي فهانت الأوجاع ، وجفت دموع تختفي خلف أحداقي.
قرأت لأحد الصالحين كي أخشع في صلاتي أضع الجنة أمامي ، ومن خلفي النار . يا ولي عجزت. فشلتُ فبغداد يميني وشمالي ، وقدامي وورائي . شغفي بها لا أدرك سره وكلما تجاهلته طغى وأحسها غيمة ترقص على راحتي تُقبّلني ومضة وغمضة عين تعانقني كأني في حضن عاقر أنجبت الولد.
هي في القلب ، والعقل أكوان . تموج في جسدي سحراً ونشوة كفجر الربيع ومبسم ورود لا تنبت إلا في الفضاء .هي أعذب امرأة تتجدد رأس كل ثانية ، فتنة إن حدثتني إن مررت بخاطرها وحين استحضرها يضيع الحرف والجواب .
أهيم ببغداد ومن قبل ولادتي عاشق لها فانتشي من سكرتي وإذا ردائي ينضح بالمسك وأرى على رؤوس أصابعي ماء دجلة ينسكب على شفاهي.
اشتهي السجود لله على أرضها ، وكما ولدتني أمي أكون . فأنسج من ترابها عباءتي ، وردائي ، أجوع بها فاقتات من بقايا نخيلها ، واشرب لأروي عطشي من عرق المقاومين كأس عروبتي .